الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 11 ، 12 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 11 إلى 12 ] قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) استئناف بيانيّ لأنّ سوق القصّة يستدعي تساؤل السامع عمّا جرى بعد إشارة أخيهم عليهم ، وهل رجعوا عمّا بيتوا وصمّموا على ما أشار به أخوهم . وابتداء الكلام مع أبيهم بقولهم : يا أَبانا يقضي أنّ تلك عادتهم في خطاب الابن أباه . ولعل يعقوب - عليه السّلام - كان لا يأذن ليوسف - عليه السّلام - بالخروج مع إخوته للرعي أو للسّبق خوفا عليه من أن يصيبه سوء من كيدهم أو من غيرهم ، ولم يكن يصرّح لهم بأنّه لا يأمنهم عليه ولكن حاله في منعه من الخروج كحال من لا يأمنهم عليه فنزّلوه منزلة من لا يأمنهم ، وأتوا بالاستفهام المستعمل في الإنكار على نفي الائتمان . وفي التّوراة أن يعقوب - عليه السّلام - أرسله إلى إخوته وكانوا قد خرجوا يرعون ، وإذا لم يكن تحريفا فلعلّ يعقوب - عليه السّلام - بعد أن امتنع من خروج يوسف - عليه السّلام - معهم سمح له بذلك ، أو بعد أن سمع لومهم عليه سمح له بذلك . وتركيب ما لَكَ لا تفعل . تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى : فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ في سورة يونس [ 35 ] ، وانظر قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ في سورة براءة [ 38 ] . وقوله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ في سورة النساء [ 88 ] . واتفق القرّاء على قراءة لا تَأْمَنَّا بنون مشددة مدغمة من نون أمن ونون جماعة المتكلّمين ، وهي مرسومة في المصحف بنون واحدة . واختلفوا في كيفية النطق بهذه النون بين إدغام محض ، وإدغام بإشمام ، وإخفاء بلا إدغام ، وهذا الوجه الأخير مرجوح ، وأرجح الوجهين الآخرين الإدغام بإشمام ، وهما طريقتان للكل وليسا مذهبين . وحرف عَلى التي يتعدّى بها فعل الأمن المنفي للاستعلاء المجازي بمعنى التمكّن من تعلّق الائتمان بمدخول عَلى . والنّصح عمل أو قول فيه نفع للمنصوح ، وفعله يتعدّى باللّام غالبا وبنفسه . وتقدّم في قوله تعالى : أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ في سورة الأعراف [ 62 ] .